محمد سعيد رمضان البوطي

240

فقه السيرة ( البوطي )

الأتربة والغبار على جسمه فما تفرقه عن أي عامل آخر من صحبه وإخوانه ، يرتجزون لينشط بعضهم بعضا ، فيرتجز معهم ، ويتعبون ويجوعون فيكون أولهم تعبا وجوعا ، وتلك هي حقيقة ما أقامته الشريعة الإسلامية من مساواة بين الحاكم والمحكوم والغني والفقير والصعلوك والأمير ، وأنت لا تجد فرعا من فروع الشريعة وأحكامها إلا قائما على هذا الأساس ضامنا لهذا الحق . وأعيذك أن تخطىء فتسمي هذا ديموقراطية في السلوك أو الحكم ، فشتان ما بينهما من الفرق . مصدر هذه العدالة والمساواة في الدين الإسلامي ، هو العبودية للّه تعالى ، وهي صفة عامة شاملة للناس كلهم ، تضعهم في صف واحد من المكانة والاعتبار ، ومصدر ما يسمونه بالديموقراطية ، تحكيم رأي الأكثرية أي تألية رأي الأكثرية على الآخرين ، مهما كانت طبيعة ذلك الرأي ومرماه . من أجل هذا ، لا تعوج الشريعة الإسلامية على شيء مما يسمى بالامتيازات لأي طبقة أو فئة من الناس ، ولا تخص جماعة منهم بحصانة ما مهما كانت الدوافع والأسباب ، لأن صفة العبودية من شأنها أن تذيب كل ذلك وتلغيه من الاعتبار . ثالثا : وفي هذه المشهد نفسه أيضا عظة وعبرة أخرى تكشف لك عن مظهر النبوة في شخصية النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وتضعك أمام مدى ما كانت تمتلئ به نفسه من محبة أصحابه والشفقة عليهم وتعطيك مثالا آخر للخوارق والمعجزات التي أكرم اللّه بها نبيه صلى اللّه عليه وسلم . فأما ما يتجلى من شخصيته النبوية في هذا المشهد ، فذلك يبدو في مكابدته صلى اللّه عليه وسلم للجوع الشديد أثناء عمله مع أصحابه ، حتى إنه ليشد الحجر على بطنه ، يتقي بذلك ما يجده الجائع من ألم الفراغ في معدته ، ترى ما الذي يمكن أن يحمله على معاناة مثل هذه المشقة والجهد ؟ أهو التطلع إلى الزعامة ! . . أم هي الرغبة في المال والملك ! . . أم هو الطموح إلى أن يجد من حوله شيعة وأتباعا ! . . كل هذه المطامع ، تناقض مناقضة صارخة هذا الذي يكابده ويعانيه ، وما أبعد الرجل الذي يطمع في جاه أو ملك أو سلطان عن الصبر على تحمل مثل هذه الآلام . إن الذي يحمله على تحمل كل ذلك إنما هو مسؤولية الرسالة والأمانة التي كلف بتبليغها والسير بها إلى الناس في طريق هذه طبيعتها ، فهذه الشخصية النبوية التي تتجلى في عمله مع أصحابه في حفر الخندق .